محمد سعيد رمضان البوطي

53

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

وروى البخاري ومسلم أيضا عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت : « ما غرت على نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلا على خديجة ، وإني لم أدركها ، قالت : وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا ذبح الشاة فيقول : أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة قالت : فأغضبته يوما فقلت : خديجة ! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : إني قد رزقت حبّها » « 11 » . وروى أحمد والطبراني من طريق مسروق عن عائشة قالت : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها ، فذكرها يوما من الأيام ، فأخذتني الغيرة فقلت : هل كانت إلا عجوزا قد أبدلك اللّه خيرا منها ؟ فغضب ثم قال : « لا واللّه ما أبدلني اللّه خيرا منها : آمنت إذ كفر الناس ، وصدقتني إذ كذبني الناس ، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ، ورزقني اللّه منها الولد دون غيرها من النساء » . وأما قصة زواجه صلّى اللّه عليه وسلم منها ، فإن أول ما يدركه الإنسان من هذا الزواج هو عدم اهتمام الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بأسباب المتعة الجسدية ومكملاتها ، فلو كان مهتما بذلك كبقية أقرانه من الشبان لطمع بمن هي أقل منه سنا أو بمن ليست أكبر منه على أقل تقدير . ويتجلى لنا أنه صلّى اللّه عليه وسلم إنما رغب فيها لشرفها ونبلها بين جماعتها وقومها حتى إنها كانت تلقب في الجاهلية بالعفيفة الطاهرة . ولقد ظل هذا الزواج قائما حتى توفيت خديجة عن خمسة وستين عاما ، وقد ناهز النبي عليه الصلاة والسلام الخمسين من العمر ، دون أن يفكر خلالها بالزواج بأي امرأة أو فتاة أخرى ، وما بين العشرين والخمسين من عمر الإنسان هو الزمن الذي تتحرك فيه رغبة الاستزادة من النساء والميل إلى تعدد الزوجات للدوافع الشهوانية . ولكن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم تجاوز هذه الفترة من العمر دون أن يفكر كما قلنا بأن يضم إلى خديجة مثلها من الإناث : زوجة أو أمة ، ولو شاء لوجد الزوجة والكثير من الإماء ، دون أن يخرق بذلك عرفا أو يخرج على مألوف أو عرف بين الناس ، هذا على الرغم من أنه تزوج خديجة وهي أيم ، وكانت تكبره بما يقارب مثل عمره . وفي هذا ما يلجم أفواه أولئك الذين يأكل الحقد أفئدتهم على الإسلام وقوة سلطانه ، من المبشرين والمستشرقين وعبيدهم الذين يسيرون من ورائهم ، ينعقون بما لا يسمعون إلا دعاء ونداء ، كما قال اللّه عز وجل . فقد ظنوا أنهم واجدون في موضوع زواج النبي صلّى اللّه عليه وسلم مقتلا يصاب منه الإسلام ويمكن أن يشوّه من سمعة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وتخيلوا أن بمقدورهم أن يجعلوه عند الناس في صورة الرجل الشهوان الغارق في لذة الجسد العازف في معيشته المنزلية ورسالته العامة عن عفاف القلب والروح .

--> ( 11 ) متفق عليه واللفظ لمسلم .